• د.عاطف عبدالعزيز عتمان يكتب ...سوق النخاسة ..من أريام أفكاري

       التعليقات (0)

     


    لا تزال الأريام تمارس إرهاقي وتحملني إلى السفينة لتروي لي الحكاية وكانت معها الصديقة العزيزة سهى الطوكي بعد أن هلت نسماتها العطرة من بين جراح العراق النازفة لتشارك الأريام 
    ------
    الليلة غائمة تكسوها الهموم والسوق مضطرب شحا في المعروض ، وغيابا للقانون في ظل تحكم أيادي خفية في المشهد لتضبط الحركة لصالح تضخم الكروش المنتفخة بلحم من لن يعد لعظامهم من كسوة سوى رحمة السماء.
    هياج للأمواج وبحر غاضب والسفينة يصيبها الدوار مع أنها من مواليد البحار في ظل غياب الدرامينكس (مضاد للدوار) خلف الأسوار فسعره رخيص وحمولة المركب لا تروي ظمأ طاقم الإبحار.
    الركاب قلقون غاضبون مضطربون والأيادي الخفية تواصل العبث وتحريك العرائس من خارج السفينة
    تدخلت صديقتي في الحوار وقالت :

    ما حدث؛ يا سيدي أن الذئب افترس ليلى وجدّتها، ونجا بفعلته، ثم أعاد كتابة القصة ، بما يتيح له التهام المزيد، ولكن لا شيء يبدّد عتمة الليل البهيم سوى شروق الشمس ، أما الشموع فهي أعجز من أن تفعل ، وإن كان في وسعها أن تؤنس وحشة المقهورين، ريثما يطلع الفجر.
    ما من طاغية إلا توهم ، نعم توهم ، بأنه يستطيع أن يثقب عجلة التاريخ، أو يعرقل دورانها، قبل أن تسحق عنقه. 
    دمتم ودامت أريامك
    دامت طلتلك شقيقة الأريام وهيا بنا إلى غرفة ربان السفينة فهي على صفيح ساخن ، فقد سيطرت الأيادي الخفية على مفاتيح القرار وأخرجوا من غرفة القيادة العامة كل مساعدي الربان ، والموسم موسم انتخابات والربان يرغب في مزيد من المخالب المستأنسة ليحكم بها السيطرة ويعود لغرفة القيادة من أي باب أو حتى قفزا من الشباك، ففي ليل الشتاء ما أشد الحاجة إلى لحم النعام والثريد للوقاية من برد العظام.
    غرفة القيادة وفيها الكبار تدبر بليل كيف ترفع نصيبها من مص دماء الفقير المعدوم وفي الوقت ذاته تشغلهم بإخماد نار مفتعلة وتلهيهم عن القضية ، وفي الوقت المناسب ترسل لهم فرق الإطفاء. 
    الصراع على أجزاء الغنيمة مشتعل، جسد الغزال فيه نصيب للأسود ، وجوارح الطيور تنتظر القدر المقسوم ، وما أن ينفض الكبار حتى تحضر القطط والكلاب لتنهش ما تبقى من عظم الغزال
    تدخلت شقيقة الأريام قائلة :
    طبائع الخنوع والخضوع يا سيدي مازالت تقودنا بعد ولائم الخيانة ؛ يضرم الطاغية النار في الحقول والغابات، من دون أن يكفّ عن التغني بحب الشجر، فيعلو هتاف الرعية ، مرحبا بقدوم النطيحة والمتردية!
    ما أعمق وأروع سبر غورك لعمق الأريام يا بنت العراق 
    فربان السفينة قلق حيران عين على مركز صنع القرار الذي أخرج له اللسان حيث لبلب يدير بإحكام ، وعين على جماهير السفينة الذين جعلوا منه ربان وعيونهم معلقة عليه ليقود الدفة لبر الأمان في ظل عواصف وأمواج وبوادر هطول الأمطار .
    وفجأة يخرج عليهم الربان بعباءة من ريش النعام ويخطب في الجموع أنه رب المجموع وقيادته ليست للسفينة فقط بل هو صوت الجماهير المنتظرة على الشاطيء الحزين ، وأنه لن يسمح بالاحتكار ولا لمس أسبرين الغلبان ، وأنه سيف على رقبة أهل الاحتكار والحيتان .
    حاولت ريمي عبثا أن تهمس في أذنه أنه ربان السفينة وليس عمدة الشاطئ الحزين ، ولكن هيهات فهو بحاجة لسواعد الجميع لتحمله بقوة إلى غرفة القرار حيث التكييف يغنيه عن دفء ريش النعام ويعلو الهتاف ويسود الضجيج فيخفي صوت هادر الأمواج
    ومع صوت الأمواج يغرد شارع المتنبي على لسان صديقة الأريام
     يا لــ أريامك سيدي مازالت تستنجد الغير! 
    في الزمن الخادع. 
    لا يعرف الأعماق إلا من اختبر الغوص في لجّتها، لكنك ستصادف دوما من يعوم على شبر ماء، فيتوهم نفسه بحّارا، ويحدّث الناس عن درّر يراها هناك بأم عينه.

    لم يدرك الربان حقيقة لبلب المكار ، وأصر على دور عنتر بكل تأكيد ليس بن شداد ، وصرخ في جماهير السفينة يطلبهم في الزمان والمكان ليرفعوا صوتهم بالفضيلة مطالبين بالحقوق وقبلهم حق المسكين الغلبان ، ورتب الأمر بليل واستدعى كل قرود الجبلاية وكلف كل منهم بدوره بإحكام ، ورسم الخطة ليرهب لبلب حتى يكون له على مائدته مكان ، ويخطب في السفينة منتفخ الأوداج فيحصد من قلوب الحاضرين مكان ، وينتهي الأمر بتهديد بلا عنوان لينتظر الجزرة بعد الذي كان ، هكذا رسم السيناريو بإحكام ولكن بعض الحضور من الظبيان تعاف نفوسهم خمور المكان كانوا له بالمرصاد ، وحدث ما لم يكن بالحسبان وخرج الأمر عن السيطرة وعلا صوت ركاب السفينة رافضين التلاعب بمصير الأهل والأحباب فماذا أنت فاعل يا عنتر فالأمر غلب جده الترتيب الذي كان؟
    قالت صوت بغداد :
    وقود الثورة موجود على كل رصيف، ووسط كل حي فقير، لكن الحكّام الطغاة تعمى قلوبهم، فلا يرونه، ولا يكفون عن اللعب بإشعال أعواد الثقاب.

    شعر عنتر بحجم المأزق وأدرك أنه ليس بن شداد وإذا إقتضى الأمر ترك عبلة لتحرش الغربان ، فلاضير مادام الغشاء سليم وإن أصابه مكروه فالبركة في الصين فعندها البديل أو قل المثيل التمام.
    وفي لمح البصر وعقارب الساعة أصابها الشلل للحظات رفع الجلسة وخرج هربا من سطح السفينة معلنا في السرداب توافق الجميع على رؤية المنام ، ومد المهلة للبلب ليفسح له جزء من المائدة ، وترك سطح السفينة يموج بالغاضبين غضب قليل الحيلة الذي لا يجيد السباحة ، وينتظر الغرق بأياد عاجزة مرفوعة للسماء .
    وبدأ كل من الحضور يبحث عن طوق للنجاة صعودا لقمة السفينة عساه أن يكون أخر الغارقين ، أو لحاقا بلوح خشبي يصل به لبر الأمان غير مدرك لإنتظار أهل الشاطيء وصول الغزاة من أهل الفرنجة والتتار .

    لبلب لم يهتز من عنتر الهجاص ولم ينسى له طول لسان الأوباش وبدأ يواصل القفيان ، وينزع من عنتر مزيدا من ريش النعام لينشغل بالريش من فوق كبري أبو الريش وينسى كل ما كان.
    بدأت مخالب لبلب تشوه السفينة وأهلها وتظهرهم بمظهر الأعداء الغزاة ، وتنسب لهم شح السمك ورفع أسعار التونة ، واستعدت عليهم أهل الشاطيء من الطيبين الأطهار ، واختفى عن الصورة الكبار وأهل المصالح والأهواء ، وتركوا الساحة لصراع المفاعيل بهم وأوهموهم أنهم فاعلين ، وبدأ عنتر يهدد ويتوعد ولكن بعد أن انفض عنه أهل السفينة مشغولين بقوارب الإنقاذ وتدخل في الأمر أولاد الحلال.

    نجح أولاد الحلال في تصفية الأجواء وإنهاء خصومة عنتر ولبلب بعد أن اعتذر الأول عن كل ما كان ، وأدرك طبيعة الأمور فأعاد له لبلب الريش الذي كان ، وقبل عنتر بكل أوامر لبلب ومن خلفه ولكنه استسمحه أن يخرج لأهل السفينة فيبشرهم بالإنتصار، ولا داعي لإشاعة خبر الإعتذار ولكن هيهات فأهل السفينة كل منهم في واد يبحث عن خشبة يتعلق بها ما بين الخوف من الغرق والخوف من أهل الشاطيء المخدوعين ، وإلى هنا أسدل الستار ودفع الغلابة ضريبة عناد عنتر وعاد عنتر ولبلب إخوة وأصحاب والغالبية يغيب عنها أنها تحت بصر رب العباد .




    <<<السابق | التالي >>>
  • إضافة تعليق