• د.عاطف عبدالعزيز عتمان يكتب ...كنت في المقابر مع لحن العصافير ..من أريام أفكاري

       التعليقات (0)

    كنت في المقابر 
    شمس ضائعة المعالم بأشعة باكية ، ورؤوس المقابر تعانق رؤوس البشر وسط شموخ الصبار ، وارتفاع أرضية المقابر عن محيطها وشجرة الجميز العجوز العجيبة بكثافة أوراقها وضخامة فروعها وعمق جذورها وأصالة تاريخها تطل على المشهد لتسطر فصلا جديدا يمسي ليلته صفحة في سجل التاريخ الذي تحمله في أحشائها.
    كنت هناك في المقابر وكان الناس في وادي وأريامي تمارس هوايتها في تصفح المشهد بعيون مختلفة ، لم تمارس الأريام الركض احتراما لجلال الموقف بل أخذت تحبو وتنظر للمشهد بسذاجة الطفل الذي تنتهك عقله الأخضر الأسئلة التي يعجز عقله وعقل من يكبره عنها ، وأنا غارق في النظر للمحمل وحرارة الدمعة تلهب القلب لست أدري على عزيز رحل أم على نفسي وأنا أنظر إليها ممددة على المحمل في حدث يقيني متعته وخطورته وعدالته في غياب موعده مع حتمية حدوثه .


    كانت الأريام تتفحص تلك الشجرة القديمة العجيبة تري شرايينها تحمل كل فصائل الدماء، دماء الظالم والمظلوم، دماء القاتل والمقتول، دماء السادة والعبيد ، ومع أنها تنبت في تربة تجمع من الأبيض الجيري حتى الأسود الطيني وتشرب من مختلف فصائل الدماء ، فإذا بأوراقها وفروعها تتمايز حتى حوت كل الثمار والأشواك والألوان في شجرة واحدة جذرها واحد ومع ما تحمله من مختلف الأشكال لا تخلو من العصافير وهي تعزف اللحن .
    هل هو لحن الفناء أم لحن الخلود ؟
    هل هو استقبال أم وداع؟
     لست أدري إلا كونه لحن غريب يغيب عن كثير ولا يلتفت إليه إلا كل قلب لبيب.
    كيف تستوي كل الدماء في هذه الشجرة العجيبة من بغى مع من اتقى، من عاش للتسعين مع سليب الثلاثين؟
    المشيعون منشغلين منهم غارق في الدموع ومنهم من يرتب مراسم العزاء ليليق بأبناء الكرام ومشغول بنوع وفخامة المعزين ، وصوت المقرىء الذي لا ينبغي أن يقل عن مقرىء الكبار، ومنهم المشغول بالميراث الغائب عنه حقيقة الموروث ، وقليل منهم يبكي نفسه على موعد لا يعرفه وهو آت لا محاله وغدا تبكيه العيون .
    تابعت الأريام هذا الحذاء اللامع المميز وهو يطأ أرض المقابر المرتفعة بحطام الأسلاف دون أن يهتز بل يسير بخيلاء وتجبر غير مكترث بما يسير عليه وإليه!!!
    قلوب موات لم تعد تدرك معنى للموت إلا مراسم وحلقة من حلقات الحياة وجزء من ديكور الغرور ، وقلوب تهتز للحظات من حقيقة الموت الغائبة خلف طول الأمل وقلوب واجفة من هذا اليوم المعلوم المجهول ومن تلك الخشبة ومن ظلمة تلك الحفرة ومن هذا التربي العجيب الذي لا يهتز له جفن ، ويمارس الأمر بنهم أكل الثريد ، فلقد أصبح الأمر لديه سواء فيغلق الحفرة ويهيل التراب كما لو كان داية تستقبل المولود.
    عادت الأريام بعد رحلتها لتجدني أبكي نفسي بحرارة وأنا على باب المقبرة أنظر لدمع عيون تبكيني ، ولكن يظل لحن العصافير أعلى الشجرة هو الذي يشخص قلبي إليه مع أنه ينبض نبضات متهاوية أخيرة ، ويحاول ترجمة معناه في لحظة لم يعد لمعرفة المعنى من قيمة !
    ذهبت معها لزيارة منبتي وجذري المباشر والذي رحل عني مبكرا قبل أن أرتوي منه ، فرأيته في التراب الذي أطأه مضطرا وشممت رائحته في غصون الشجرة ولكنه أصبح عاجزا عن الجواب وكأنه يقول مازال الوقت حتى موعد اللقاء فصبرا يا فلذة الكبد وحبيب الفؤاد .
    إلى أين أنا ذاهب؟
    إلى التراب والدود مثل كل السابقين واللاحقين  ويرفع جسدي المعطر بالمسك أرضية المقابر ليطأني حذاء ولو لامع؟
    دمي يذهب لشرايين الجميزة العجيبة التي لا ترفض أي نوع من الدماء ويخالط كل الدماء وتراب جسدي هناك مع التربة الخصبة والجدباء والمالحة والجيرية ؟
    هل من المعقول أن تنتهي معاناتي كما تنتهي حياة الخراف أو حتى الأسود والسباع ، وأتساوى في جوف الشجرة وأرضية المقبرة بمن أدبر وتولى وعاث فيها إفسادا وملك مفاتيحها ولمقام ربه ما نهي يوما النفس عن الهوى؟
    لا تحدثني عن الأديان ونصوصها المتضاربة والمتناحرة ولا عن الفرق وفلسفتها البالية وتلاعبها المقيت ، ولا عن العقل وعجزه فهو الآن صامت لا ينطق ، فهناك حقيقة ماثلة وأسئلة حائرة !!

    أينتهي صاحب العقل الفاعل والقدرة على الاختيار نهاية من دونه من المخلوقات التي وإن شعرت تعجز عن القرار بل يتحكم هو في جزء كبير من مصيرها ؟
    مشهد مرتبك غير عادل بكل المقاييس، شجرة تبتلع بلا تمييز وعلو يزيد يوما الدنو ، وعصافير تعزف لحنا يوم تيقنه لا يفيد جهله من فك شفراته ، وهذا الكائن العجيب حاضر غائب مشتت متنوع !!!

    إن ضميري لا يرتاح لهذا المشهد إلا كونه حلقة واحدة تلزمه حلقة أخرى يقام فيها الميزان وتتحقق فيها العدالة الغائبة ويوفى فيها الصابر أجر صبره والعامل أجر عمله وتتساوى فيها الرقاب ، محال أن تقبل فطرتي أن يكون دخولي هذه الحفرة هو النهاية ، ربما نهاية الإمتحان ولكنه ليس نهاية المطاف ، هذا ما يقبله وجداني ويقف عقلي عاجزا عن معاندته فكل أصول العقل والمنطق تصب في إتجاه ما ذهب إليه وأقر به الوجدان .
    لحن العصافير 
    نعم إن هذا هو لحن العصافير الغائب عن قلوب الغافلين وعقول التائهين ، لحن تهنئة وعزاء بانتهاء الامتحان وكأنها شاهدة على ورقة الإجابة وتعلم محتواها فتغرد التهنئة والعزاء ، الترحيب والوداع ، الهجاء والمديح ، في لحن واحد هو الأغرب على الإطلاق وهو تناغم نقاء الفطرة بضميرها اليقظ مع سلامة العقل ونزاهة منطقه ويبقى هو اللحن الخالد ، لحن الحياة ، لحن الإجابة والسؤال .



    <<<السابق | التالي >>>
  • إضافة تعليق